شحاتة زكريا يكتب: العدالة الغائبة.. والمستقبل الذي لن ينتظر
في كل مرة تندلع أزمة يتحرك العالم كأنه فوجئ بها رغم أن كل المؤشرات كانت تقول إنها قادمة لا محالة. ندخل في دوامة من الإدانات، والتحليلات، والوعود، ثم تنتهي العاصفة، وتهدأ الأصوات، ونعود إلى النقطة صفر حيث لا شيء يتغير سوى أن المأساة تتكرر بأسماء جديدة وأماكن مختلفة.
لكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها: لا استقرار بلا عدالة، ولا سلام بلا إنصاف. من يظن أن بوسعه إعادة بناء ما تهدم دون أن يعيد الحقوق إلى أصحابها ، كمن يحاول ترميم منزل على أساس متهالك ، يعرف مسبقا أنه سينهار عند أول اختبار.
العالم ليس كما كان لم يعد بالإمكان خداع الشعوب بخطابات دبلوماسية منمقة، ولا بصفقات تُبرم خلف الأبواب المغلقة. هناك جيل جديد لم يعش الخيبات القديمة لكنه يراها تُعاد أمامه بنفس السيناريو وهو يدرك جيدا أن كل تأجيل للعدالة، هو تأسيس لجولة جديدة من الفوضى.
الأخطر من غياب العدالة هو محاولة إقناعنا بأنها مستحيلة. أن يُقال للضحايا: "هذه هي الحياة"، وأن يُطلب منهم القبول بالأمر الواقع بينما يحصل الجناة على فرصة جديدة لصياغة التاريخ بما يناسب مصالحهم.
لكن هل يمكن أن تستقيم المعادلة بهذا الشكل؟ هل يمكن أن يقنعونا أن العدالة مجرد حلم مثالي لا مكان له في حسابات السياسة؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا تستمر الشعوب في المطالبة بحقوقها رغم كل شيء؟ لماذا لم تنجح كل محاولات طمس الحقيقة في قتلها؟ ولماذا تبقى القضايا العادلة حية، رغم مرور السنوات وتغير الظروف؟
العدالة ليست ترفا ولا رفاهية يمكن تأجيلها إلى حين تتحسن الظروف. إنها الأساس الذي يُبنى عليه أي مستقبل وإلا فإن كل ما يتم بناؤه سيكون مجرد أوهام.
العالم اليوم أمام اختبار أخلاقي وسياسي فإما أن يقرر مواجهة الحقيقة كما هي والتعامل مع جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بعلاج أعراضها أو أن يستمر في خداع نفسه حتى تأتي اللحظة التي يجد فيها كل شيء ينهار فجأة ، دون أن يدري كيف وصل إلى هذه النقطة.
المستقبل لا ينتظر أحدا ومن لا يتعلم من دروس الماضي، سيجد نفسه مجرد صفحة أخرى في كتاب الأخطاء التي كان يمكن تفاديها.